كتب- محمد علاء_ تصوير- دنيا يونس:
نشر في:
الأربعاء 8 أبريل 2026 – 9:27 م
| آخر تحديث:
الأربعاء 8 أبريل 2026 – 9:27 م
خفاجة: دراسة استخدام أسياخ «الفايبر» بديلا عن حديد التسليح.. باحث بالمعامل: نماذج بالحجم الكامل تخضع لمحاكاة الأحمال قبل تنفيذ الأنفاق والكبارى
خلف الواجهة الهادئة للمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء بحي الدقي، لا يتوقف دوران ماكينات ومعدات قياس واختبار مواد البناء، التي تمس سلامة مئات آلاف المباني في مصر.
في الطابق الأرضي، وعلى مساحة تقارب ألف متر مربع، تتوزع ماكينات ضخمة وعينات مرقمة بعناية، بينما تتحرك فرق العمل بخطوات محسوبة.
للاطلاع على بعضٍ من هذه الاختبارات، أجرت «الشروق» جولة ميدانية رافقنا خلالها الدكتور شريف خفاجة، مدير معهد مواد البناء وضبط الجودة.
بدأت الجولة من معمل اختبارات حديد التسليح، حيث تصطف على طاولة خشبية عينات أسياخ حديد محفور عليها رموز المصانع المنتجة، فيما توضح لوحة مثبتة على الحائط معناها ومنها “EZ مصنع حديد عز، وBS مصنع بشاي”.
يوضح خفاجة أن هذه العلامات ضرورية لتتبع مصدر العينة عند إصدار التقرير النهائي.
إلى جوار الطاولة، تقف ماكينة شد كبيرة، يثبت فيها أحد الفنيين سيخا معدنيًا قبل أن يبدأ في التشغيل.
تدور الماكينة ببطء بينما تزيد الضغط تدريجيًا على سيخ الحديد حتى الكسر، بينما تسجل شاشة رقمية كل تغير في المقاومة حتى أقصى درجة تحمل.
وينوّه الدكتور شريف خفاجة بأن الشركات والمصانع ترسل عيناتها إلى المعمل، حيث تخضع لاختبارات الشد والثني للتأكد من مطابقتها للمواصفات ودرجة مقاومتها “وهنا نحدد رتبتها أي درجة تحملها.. سواء 400 أو 500 أو 250”.
ويوضح أن نوع الحديد المستخدم لا يختلف كثيرًا بين المشروعات، سواء كانت أبراجًا شاهقة الارتفاع أو مبانٍ تقليدية، لكن الفارق يظهر في التصميم الإنشائي والكميات المطلوبة لكل حالة.
على مسافة خطوات، انتقلنا إلى معمل اختبارات ركام الخرسانة.
الأدوات هنا أبسط في الشكل، لكنها لا تقل أهمية. مناخل معدنية بأحجام مختلفة، ميزان حساس، وأوعية تحتوي على رمل وزلط وكسر حجر.
تُسكب العينة داخل المناخل، ثم يرجها الفني المختص بطريقة منتظمة لفصل الحبيبات حسب أحجامها.
يأخذ الدكتور شريف حفنة من الزلط بين يديه، ويشير إلى اختلاف الأحجام، قائلاً إن تدرج الحبيبات عامل حاسم في جودة الخرسانة، لأنه يؤثر على تماسكها وقدرتها على مقاومة الأحمال.
في ركن بالغرفة المقابلة، تصطف أحواض داخلها مكعبات خرسانية مغمورة في الماء، تخضع لظروف محددة من حيث درجة الحرارة وتغيير المياه حتى 28 يومًا، قبل أن تخضع للاختبار.
بجوار الأحواض، تُجرى اختبارات النفاذية، حيث تُقاس قدرة الخرسانة على منع تسرب المياه.
يوضح خفاجة: “هنا بنشوف الخرسانة تستحمل كمية مياه قد إيه؟”، مضيفًا أن قدرة الخرسانة على منع تسرب المياه أمر ضروري للغاية في المنشآت التي تتعامل مع المياه بشكل مباشر، مثل الخزانات.
عدنا إلى الصالة، ومنها انتقلنا إلى معمل الخرسانة.
هنا لا يقتصر الأمر على المواد الخام بل يمتد ليشمل عينات بالحجم الكامل: بلاطات أنفاق، وكمرات، أجزاء من كباري.
يقول المهندس عمرو، الباحث بالمعمل، إن هذه النماذج قد تمثل أجزاء من أنفاق أو كباري أو مشروعات نقل حديثة، ونضعها تحت ماكينات ضغط عملاقة لمحاكاة الأحمال المتوقعة قبل تنفيذها على أرض الواقع.
ويشير إلى أن دور الفريق لا يتوقف عند حدود المعمل، ففي بعض الحالات تجرى اختبارات ميدانية مباشرة في مواقع المشروعات، ومنها القطار الكهربائي الخفيف والمونوريل وأبراج العاصمة والعلمين الجديدتين.
هذا النوع من الاختبارات الميدانية يستخدم أيضًا لتقييم حالة المباني القديمة، خاصة تلك التي تظهر عليها علامات إجهاد أو تدهور.
ويوضح الدكتور شريف خفاجة أن المعمل يسحب عينات من الخرسانة ثم تحليلها للوقوف على حالتها، وبناء على النتائج، يتخذ قرار بالتدعيم أو الإصلاح أو الاكتفاء بالمتابعة.
ورغم أهمية اختبارات معامل مواد البناء إجمالًا، فإنها ليست إلزامية في جميع المشروعات.
يوضح خفاجة أن الإلزام يقتصر على المشروعات الحكومية أو التي يشرف عليها المركز، بينما تعتمد المشروعات الأخرى على قرارات الاستشاري، مع وجود الكود مرجعًا أساسيًا لضبط جودة التنفيذ.
ويشرح الدكتور شريف أن الكود أشبه بمجموعة من المعادلات التي تحدد الطريقة الأنسب في التصميم والبناء للحفاظ على الجودة والسلامة.
وبالتوازي مع الاختبارات، يجري المركز أبحاثًا ودراسات لتطوير مواد وتقنيات جديدة.
ويضرب الدكتور شريف مثالًا بهذه الدراسات، ومنها استخدام البلاستيك المعاد تدويره في رصف الطرق، بديلًا عن مادة البيتومين المستوردة.
ويوضح أن هذه التجربة طبقت خارج مصر، وأن المركز أجرى عليها بعض التعديلات لتكييفها مع البيئة هنا، وقد طبقت مؤخرًا على أحد الطرق في مدينة جديدة، حيث يوضع أدائها على المدى الطويل تحت الدراسة.
وينوّه الدكتور شريف بأن هذه التجارب إما يجريها المركز أو تقترحها إحدى الشركات وتخضع للاختبار والتقييم داخل المعامل.
ويشير هنا إلى تجارب على بدائل لحديد التسليح، مثل أسياخ الفايبر، التي تخضع لاختبارات تشمل الشد والقص والحريق والتفاعل الكيميائي، قبل النظر في إمكانية اعتمادها.
يقطع الحديث أصوات طَرق على قالب خرساني كبير، يشير الدكتور شريف، بابتسامة خفيفة، إلى أنه جانب من الأبحاث التي يجريها المركز.
تنتهي الجولة أمام ماكينة عملاقة في قلب معمل الخرسانة، حيث بإمكانها اختبار أعمدة بارتفاع يصل إلى 6 أمتار، وفق خفاجة، واصفًا إياها بأنها الأكبر من نوعها في الشرق الأوسط.



