حوار ــ محمد علاء_ تصوير ــ دنيا يونس
نشر في:
الأربعاء 8 أبريل 2026 – 10:14 م
| آخر تحديث:
الأربعاء 8 أبريل 2026 – 10:16 م
ترشيد استخدام بعض المواد دون المساس بالجودة أو السلامة.. و90% من المباني في مصر ملتزمة بأكواد الأمان
تغيير نشاط الوحدات يهدد سلامة المباني.. وإعادة تدوير مخلفات الهدم لإنتاج الطوب والإنترلوك
قال رئيس المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، الدكتور محمد مسعود، إنه جارٍ تعديل أكواد البناء لتقليل استهلاك بعض المواد، دون المساس بمعايير الجودة أو السلامة، ما قد يوفر حتى 30% من تكاليف البناء.
وكشف مسعود، في حوار لـ«الشروق»، عن إصدار كود لتدعيم المنشآت الخرسانية، يفتح الباب أمام إنقاذ بعض العقارات دون هدمها، محذرًا من أن تغيير نشاط الوحدات يهدد سلامة المباني.. وإلى نص الحوار:
• حدثنا في البداية عن دور المركز في ظل النمو العمراني المتزايد؟
المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء الذراع الاستشارية والفنية للدولة فيما يتعلق بملفات العمران والبنية التحتية.
المركز يصدر أكوادًا تحكم عملية البناء في مصر، ونعمل على تحديثها باستمرار لتواكب آخر التطورات في هذا المجال، وهي بمثابة القانون للمهندس الإنشائي والمعماري.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، بدأنا التركيز على ما يعرف بـ”الهندسة القيمية” بحيث نجعل التصميمات الإنشائية تحقق نفس مستوى الأمان والسلامة، ولكن باستخدام كميات أقل من المواد أو بأساليب تصميم أكثر كفاءة.
ونعمل حاليًا على تعديل الأكواد الموجودة وتغيير بعض العناصر بما يؤدي إلى تقليل استهلاك بعض المواد مثل الأسمنت، الذي يستهلك الطاقة بكثافة، وكذلك الحديد والأخشاب والمواد الأخرى المستخدمة في البناء.
وهذا الأمر مهم للغاية، فنحن نتحدث عن نسب توفير قد تتراوح بين 20% و30% في بعض أعمال البناء، وسيكون لها تأثير مباشر في تقليل تكلفة المشروعات القومية وتقليل استهلاك الطاقة والحفاظ على الموارد.
وقد أصدرنا مؤخرًا مواصفات جديدة لبعض أعمال التشطيبات مثل أعمال المحارة والبياض والأرضيات، بما يسمح باستخدام أنواع مختلفة من الأسمنت أو الخلطات التي تستهلك طاقة أقل في إنتاجها.
• لأي درجة تلتزم أعمال البناء في مصر بهذه الأكواد؟
الالتزام بهذه الأكواد واشتراطات الأمان والسلامة ملزم قانونا ومخالفتها قد يعرض المسئولين عن المشروع للمساءلة القانونية.
وأعتقد أن جميع المشروعات القومية والكبرى تلتزم بتطبيق الأكواد، وإجمالًا قد تصل النسبة إلى 90% من المباني والمنشآت في مصر.
• من يراقب مدى الالتزام بإجراءات السلامة والأمان خلال أعمال البناء؟
الرقابة تبدأ من المجمعة العشرية عند استخراج التراخيص، حيث تتأكد من مطابقة التصميمات للأكواد.
بعد ذلك يتولى المهندس الاستشاري الإشراف على التنفيذ طبقا للوحات الإنشائية والمعمارية المعتمدة، بالتوازي مع معاينات الأجهزة الرقابية في الأحياء والمدن الجديدة.
•أصدر المركز مؤخرا كودا لتدعيم المنشآت الخرسانية.. كيف يمكن الاستفادة منه؟
هذا الكود يأتي في إطار رؤية استشرافية لجهود إعادة الإعمار في المنطقة، سواء في غزة أو ليبيا أو السودان وغيرهم.
وهو يضع ضوابط علمية واضحة تحدد كيفية تقييم المباني المتضررة نتيجة الحروب أو الكوارث أو سوء الاستخدام وغياب أعمال الصيانة، ومن ثمَّ كيفية تدعيمها وإعادة تأهيلها.
ففي كثير من الحالات يكون جزء من المبنى ما زال صالحًا للاستخدام، ويمكن تدعيمه وإعادة تأهيله بطريقة آمنة بدلًا من إزالة المبنى بالكامل.
• هل يمكن الاستفادة من هذا الكود في التعامل مع المباني الآيلة للسقوط؟
بالطبع، سيكون مفيدا جدا.
• كيف؟
في البداية، نقيّم المبنى إنشائيًا، للوقوف على سبب التدهور ومن ثمَّ تحديد طريقة العلاج المناسبة.
وبناء عليه، نجري دراسة اقتصادية للمقارنة بين خيارين: إما تدعيم المبنى وإعادة تأهيله، أو هدمه بالكامل وإعادة بنائه من جديد.
فإذا تبين أن تكلفة التدعيم أقل من تكلفة الهدم وإعادة البناء، نتجه إلى التدعيم.
وكود تدعيم المنشآت يضع الأسس العلمية التي تحكم هذه العملية، ومنها الأعمدة، هل هي آمنة أم لا؟ وإذا كانت غير آمنة كيف ندعمها؟ هل نضيف غلافًا خرسانيًا بسمك 10 سم أم 15 سم؟ وما كمية الحديد المطلوبة؟ وكيفية الربط بين الأعمال القديمة والحديثة، وغيرها من الاعتبارات.
• هل يتمتع المبنى بعد تدعيمه بنفس العمر الافتراضي للبناء الجديد؟
الأصل في أي منشأ أنه مصمم ليعيش مدى الحياة، بشرط إجراء الصيانة اللازمة وألا نهلك المبنى بتدخلات خاطئة.
المشكلة تحدث في كثير من الأحيان بسبب التدخل البشري غير الصحيح، مثل تكسير أجزاء من الأعمدة أو الجدران أو الأسقف دون دراسة إنشائية، أو تغيير النشاط من سكني مثلًا إلى إداري أو مخازن أو محلات تجارية.
• كيف يؤثر تغيير النشاط على سلامة المبنى؟
تأثير كبير؛ فكل مبنى مصمم لاستيعاب درجة معينة من الأحمال، التي تختلف في المباني السكنية عنها في الإدارية أو التجارية، فتغيير النشاط يزيد الأحمال على المبنى، ما قد يؤدي إلى إجهاد العناصر الإنشائية ويؤثر على سلامة المبنى مع مرور الوقت.
•تحدثتم سابقًا عن إعادة تدوير مخلفات البناء.. هل بدء التطبيق على الأرض؟
نعم، بدأنا بالفعل مشروعًا تجريبيًا في مدينة حدائق العاصمة.
نجمع مخلفات البناء الناتجة عن أعمال الهدم، ونطحنها ونعيد استخدامها في إنتاج الطوب وبعض المنتجات الأخرى مثل البردورات وبلاطات الإنترلوك.
كما استخدمنا بعض المخلفات البيولوجية الناتجة عن محطة بحر البقر في إنتاج الطوب الطفلي، وطورنا منها خلطات صناعية تستخدم حاليا بأحد المصانع في جنوب الجيزة.
•هذا يعني أن هناك تواصلا مباشرا بين المركز وشركات تصنيع مواد البناء؟
نعم، هناك بروتوكول تعاون مع غرفة صناعة مواد البناء، وهناك تواصل دائم، وجميع اختباراتهم تحدث داخل معاملنا المعتمده دوليًا.
•كم تبلغ نسبة المكون المحلي في صناعة البناء المصرية؟
مواد البناء تنقسم إلى مكونات مستوردة مباشرة تدخل في عملية التشييد، وأخرى غير مباشرة ترتبط بمستلزمات الإنتاج داخل المصانع، مثل المعدات أو قطع الغيار اللازمة للصيانة.
فعلى سبيل المثال، الحديد، وكذلك الأسمنت، كمنتج نهائي يُصنّع محليًا، لكن بعض مدخلات الصناعة نفسها أو المواد المستخدمة في عملية الإنتاج مستوردة.
وبعد إجراء حصر شامل لهذه العناصر تبين أن نسبة المكون المحلي المباشر في أغلب مشروعات التشييد مرتفعة، وتصل في بعض الحالات إلى نحو 90%، خاصة في مشروعات وزارة الإسكان مثل الإسكان الاجتماعي.
وهناك توجه واضح للدولة بإعداد قوائم مفصلة بالمكونات المحلية المتاحة، بحيث نعرف بدقة أين يمكن الحصول على منتجات مثل المواسير، والمحابس، والرشاشات، والطلمبات وغيرها من المعدات المنتجة محليًا.
وبالفعل أعددنا قوائم توضح أن نحو 90% من احتياجات المشروعات يمكن توفيرها من السوق المحلية.
وبطبيعة الحال، إذا كان مستثمر أجنبي يرغب في استيراد بعض المكونات على نفقته الخاصة فهذا أمر متروك له.
•هل توجد مواد بديلة للحديد أو الخرسانة يمكن استخدامها في البناء؟
هناك مواد بديلة، لكنها لا تزال مرتفعة التكلفة؛ فمعظم دول العالم يعتمد بشكل أساسي على الحديد والأسمنت.
الاتجاه السائد حاليًا لا يركز فقط على استبدال هذه المواد، بقدر ما يركز على ترشيد استخدامها ورفع كفاءة استغلالها؛ فبدلًا من استخدام 100 ألف طن حديد لبناء 10 مبانٍ استخدم نفس الكمية بطريقة معينة لبناء 15 أو 20 مبنى.
•ما الفرق بين البناء التقليدي والبناء الأخضر؟
البناء الأخضر يقوم على فكرة الحفاظ على البيئة وتقليل استهلاك الموارد.
ببساطة: لو كان الحائط يمنع دخول الحرارة، ستشغّل التكييف أقل، ولو كان البياض الخارجي يمنع انعكاس الحرارة، ستوفر في الطاقة.
هناك مبانٍ في الخارج تستخدم واجهات تدور مع حركة الشمس لمنع تأثيرها المباشر.
كما يعيد البناء الأخضر استخدام المياه في أعمال الزراعة واللاندسكيب.
•كم عدد المباني الخضراء المعتمدة في مصر؟
هناك أكثر من 25 ألف وحدة سكنية خضراء معتمدة، وكذلك عدد من التجمعات السكنية الخاصة وفروع ومبانٍ بنكية، بجانب عدد من المشروعات القومية، مثل المتحف المصري الكبير، فيما جارٍ اعتماد مشروع التجلي الأعظم.
•ما دور المركز في المشروعات العمرانية الكبرى مثل رأس الحكمة والعلمين والعاصمة الجديدة؟
المركز يضطلع بدور “الطرف الثالث” الذي يتحقق من الجودة. ففي العلمين الجديدة على سبيل المثال، لدينا لجنة تراجع الأعمال الميكانيكية والكهربائية في المباني، وتقدم تقارير بالوضع القائم، بحيث تكون القيادة على علم بما هو مطابق وما يحتاج إلى تصحيح.
وقد أرسلنا مقترحًا بإنشاء مقر دائم للمركز في العلمين، يضم أجهزة ومعامل تخدم المنطقة، لأنها مستقبل مصر في المرحلة المقبلة.
وفي العاصمة الجديدة، هناك لجنة برئاستي تتولى أعمال التفتيش واستلام أعمال أبراج منطقة الأعمال المركزية، وقد أوشكنا على إنهاء هذا الملف.
• كيف ترى انتقادات التوجه نحو الأبراج شاهقة الارتفاع خاصة وأن مصر أغلب مساحتها صحراء؟
الأبراج بمثابة معالم بصرية Master Scene ترفع القيمة الاستثمارية للأرض حولها وتعد نوعًا من التسويق للمكان، وبخاصة خارج البلاد، كما حدث مع برج القاهرة، كمعلم للمدينة.
الأبراج موجودة في العالم منذ سنوات طوية في دول الخليج، التي معظم مساحتها صحراء أيضًا، وكذلك في الولايات المتحدة، التي تعادل مساحتها نصف قارة.
لذا لا أتفق مع هذه الانتقادات، فبنفس المنطق ما كنا سنبني الأهرامات.
• أخيرًا.. كيف يمكن تحفيز المواطنين على الإقبال على الإشغال في المدن الجديدة؟
المدن الجديدة لا تحتاج إلى تحفيز؛ الناس تشتري فيها وتتجه إليها.
ما يحدث في مراكز المدن القائمة حتمي؛ المناطق السكنية تتحوّل تدريجيًا إلى إدارية وتجارية، والسكان يضطرون إلى الانتقال خارجها، كما حدث في وسط البلد “ماحدش يعرف يسكن فيها دلوقتي”.
لذا كانت العاصمة الجديدة على سبيل المثال “الرئة الحقيقية” للدولة، لا رفاهية. فالدولة لو لم تتوسع وتخطط بيدها، لخطط المواطن لنفسه وأوجد عشوائيات “اللي ما تعرفش تمنعه نظمه”.
• لكن هناك شكاوى من صعوبات تتعلق بالانتقالات وبعض الخدمات؟
ليس صحيحا على الإطلاق، فما شهدته مصر في البنية التحية الطرق والنقل خلال السنوات الأخيرة لم يحدث في 100 سنة.
الطريق الدائري شهد أعمال توسعة 3-4 مرات، والمحور كذلك، والمونوريل وصل إلى أرجاء واسعة، والمترو وصلنا إلى الخط الرابع بعد أن عشنا عقودًا على الخط الأول.
التطوير الذي جرى في قطاع النقل والبنية الأساسية غير مسبوق، والأموال استثمرت في بنية أساسية ستخدم مصر 100 سنة قادمة، بشرط الحفاظ عليها.



