هدنة إيران وأمريكا.. ما سيناريوهات انعكاسها على أسعار الذهب؟ خبراء يوض

وفي هذا التحول، برز الذهب كأحد أكثر الأصول حساسية، حيث تحرك صعودًا مدفوعًا بتحسن معنويات المستثمرين، لكنه ظل محاطًا بحذر واضح، يعكس إدراك الأسواق أن ما يحدث ليس اتفاقًا نهائيًا، بل مرحلة انتقالية قد تنتهي إلى استقرار أو تعود إلى التصعيد.
ويرى خبراء اقتصاديون وبسوق الذهب، خلال حديثهم مع “مصراوي”، أن تحركات الأسعار حاليًا تعكس توازنًا دقيقًا بين تراجع المخاطر الجيوسياسية من ناحية، واستمرار حالة عدم اليقين العالمي من ناحية أخرى، ما يجعل السوق عرضة لتذبذبات متواصلة خلال الفترة المقبلة.
صعود أولي.. انعكاس مباشر لتحسن المعنويات
سجلت بورصات المعادن العالمية ارتفاعًا بنسبة 2.71%، لتصل الأونصة إلى نحو 4833 دولارًا، في أول استجابة مباشرة لإعلان التهدئة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد معطي، خبير اقتصادي، إن إعلان وقف إطلاق النار انعكس سريعًا على سلوك المستثمرين، موضحًا أن الأسواق شهدت حالة من التفاؤل الحذر، دفعت الذهب للارتفاع بأكثر من 3% ليتخطى مستوى 4800 دولار للأوقية.
وأضاف أن هذا التحرك لم يكن معزولًا، بل جاء بالتوازي مع تراجع أسعار النفط إلى حدود 94 دولارًا، إلى جانب صعود ملحوظ في أسواق الأسهم العالمية والعربية، وهو ما يعكس “إعادة توزيع ذكية للمخاطر” داخل المحافظ الاستثمارية.
وأوضح معطي أن المستثمرين لم يتخلوا عن الأصول الآمنة رغم تحسن الأجواء، بل اتجهوا إلى تنويع مراكزهم بين الذهب والأسهم، تحسبًا لأي مفاجآت قد تعيد التوترات إلى الواجهة.
تحركات معنوية.. لا تعكس استقرارًا حقيقيًا
وفي تفسيره لطبيعة هذه التحركات، أضاف معطي أن ما يحدث حاليًا في سوق الذهب يعكس بالأساس “تحركات معنوية” أكثر من كونه تغيرًا هيكليًا مكتملًا.
وأوضح أن ارتفاع الذهب وتراجع النفط يرتبطان بشكل مباشر بحالة الهدنة، وليس بنتائج نهائية للمفاوضات، مشيرًا إلى أن الأسواق لا تزال في مرحلة اختبار، ولم تستوعب بعد التأثير الفعلي على أرض الواقع، خاصة مع استمرار الحذر في حركة التجارة والشحن.
وأضاف معطي أن غياب اتفاق شامل حتى الآن يبقي السوق في حالة ترقب، وهو ما يفسر بقاء الأسعار في نطاقات مرتفعة نسبيًا دون اتجاه حاسم.
سيناريو الاتفاق: صعود مدفوع بإعادة التموضع
وعن السيناريو الأكثر تفاؤلًا، أوضح معطي أن التوصل إلى اتفاق سلام شامل خلال فترة قصيرة قد يدفع الأسواق إلى حالة استقرار أوسع، مع تراجع أسعار النفط إلى نطاق 70-80 دولارًا للبرميل.
لكنه أشار إلى مفارقة لافتة، موضحًا أن هذا الاستقرار قد يدعم استمرار صعود الذهب، وليس العكس، نتيجة إعادة توجيه الاستثمارات نحو الأصول الآمنة في إطار بناء مراكز طويلة الأجل.
وقال إن الذهب في هذا السيناريو قد يقترب من مستويات قياسية، مع إمكانية اختراق حاجز 5000 دولار للأوقية، مدفوعًا بعودة الثقة للأسواق العالمية، وزيادة الطلب المؤسسي.
سيناريو الفشل: ضغط الدولار يطغى على الذهب
في المقابل، حذر معطي من أن فشل المفاوضات وعودة التصعيد العسكري سيخلق بيئة مختلفة تمامًا، قد لا تكون في صالح الذهب كما هو متوقع تقليديًا.
وأوضح أن عودة التوترات ستدفع أسعار النفط للارتفاع مجددًا فوق 100 دولار، بالتزامن مع صعود قوي للدولار، ما يدفع المستثمرين إلى تسييل جزء من حيازاتهم من الذهب لتوفير السيولة.
وأضاف أن هذا السيناريو قد يؤدي إلى تراجع الذهب إلى ما دون 4600 دولار للأونصة، في انعكاس لتحول السيولة نحو الدولار كملاذ أكثر سيولة في أوقات الأزمات.
الأساسيات لم تتغير رغم التقلبات
من جانبه، أوضح الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن سوق الذهب لا يزال يحتفظ بأساسيات قوية، رغم التذبذبات التي شهدها خلال الفترة الماضية.
وأشار إلى أن الطلب العالمي على الذهب لا يزال يتفوق على المعروض، سواء من جانب البنوك المركزية أو المستثمرين، وهو ما يعزز الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط.
وأضاف أنيس أن ما شهدته الأسعار من تراجع خلال فترة الحرب لا يعكس ضعفًا في السوق، بل يرتبط بعوامل مؤقتة، في مقدمتها الصعود القوي للدولار عالميًا، والذي جذب السيولة بعيدًا عن الذهب.
لماذا تراجع الذهب خلال الحرب؟
وفي تفسيره لهذه الظاهرة، قال أنيس إن المستثمرين، في أوقات التوترات الحادة، لا يتجهون دائمًا للاحتفاظ بالذهب، بل قد يلجأون إلى بيعه، خاصة إذا كان من الأصول الرابحة.
وأوضح أن الحاجة إلى السيولة الدولارية دفعت العديد من المستثمرين والبنوك المركزية إلى تسييل جزء من حيازاتهم من الذهب، لتغطية التزامات نقدية أو إعادة توزيع الأصول.
وأضا أن هذا السلوك أدى إلى انخفاض مؤقت في الأسعار، رغم بقاء الطلب الفعلي قويًا.
تعاف تدريجي.. مدعوم بعوامل هيكلية
وأكد أنيس أن الذهب مرشح لاستعادة زخمه تدريجيًا مع استقرار الأوضاع، مشيرًا إلى أن الفجوة بين العرض والطلب لا تزال قائمة، ما يمثل دعمًا قويًا للأسعار.
وأوضح أن استمرار توجه البنوك المركزية نحو زيادة احتياطياتها من الذهب، إلى جانب الطلب الاستثماري، يعزز فرص عودة الاتجاه الصاعد خلال الفترة المقبلة.
لكنه شدد أنيس على أن تحركات السوق ستظل مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية، ما يجعل أي توقعات نهائية مرهونة بمسار المفاوضات.
من جانبه، قال هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، إن الارتفاع الأخير في أسعار الذهب جاء متوقعًا وطبيعيًا في ضوء تطورات المشهد الجيوسياسي، موضحًا أن أي تهدئة في التوترات تدفع الأسعار إلى استعادة مسارها الصاعد.
وأضاف أن تراجع أسعار النفط بالتوازي مع الهدنة يمنح الذهب مساحة أكبر للتحرك، في ظل عودة التوازن النسبي بين الأصول المختلفة داخل الأسواق العالمية.
وأوضح ميلاد أن الحرب الأمريكية الإيرانية كانت قد خلقت معادلة معاكسة، حيث تسببت في ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، مقابل تراجع أسعار الذهب، بالتزامن مع صعود قوي للدولار عالميًا. وأشار إلى أن هذه العلاقة تعكس طبيعة تحركات المستثمرين خلال الأزمات، حيث تتجه السيولة نحو الدولار على حساب الذهب، قبل أن تعود مجددًا إلى المعدن الأصفر مع هدوء الأوضاع.
اقرأ أيضًا: ما أسباب تذبذب أسعار الذهب في السوق المحلي اليوم؟
اقرأ أيضًا: ارتفاع أسعار النفط قرب 4% مع تصاعد مخاوف الإمدادات.. وبرنت يتخطى 98 دولارًا



