منوعات

بين أداة للتعلم وشبهة غش أكاديمي.. الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه في الفصول الجامعية





رنا عادل وسلمى محمد مراد



نشر في:
الأربعاء 22 أبريل 2026 – 11:25 ص
| آخر تحديث:
الأربعاء 22 أبريل 2026 – 11:25 ص

يتزايد الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت واقعا يفرض نفسه داخل العملية التعليمية، ويتصاعد معها الجدل حول ما إذا كانت وسيلة لدعم التعلم أم تهديدا للنزاهة الأكاديمية؛، إذ كشف تحقيق لصحيفة “الجارديان” عن ضبط آلاف الطلاب في جامعات المملكة المتحدة أثناء إساءة استخدام أدوات مثل شات “جي بي تي”، مع تسجيل نحو 7 آلاف حالة غش مؤكدة خلال العام الدراسي 2023 – 2024 بمعدل 5.1 حالة لكل ألف طالب، وسط توقع بازدياد النسبة خلال السنوات اللاحقة.
وفي هذا التقرير نستعرض ما إذا كانت هذه الأدوات وسيلة مساعدة؟، أم شكلا جديدا من أشكال الغش الأكاديمي؟؛ وذلك من خلال الاستعانة بالدكتورة سارة فوزي، المدير الأكاديمي لوحدة الذكاء الاصطناعي ومدرس الإعلام الرقمي بكلية الإعلام جامعة القاهرة، التي توضح من خلال حديثها لـ”الشروق” كيف غير الذكاء الاصطناعي المشهد التعليمي، وكيف يمكن تفادي سلبياته في البيئة التعليمية.
كيف غيرت أدوات الذكاء الاصطناعي من طريقة أداء الطلاب للواجبات؟
تؤكد الدكتورة سارة أن هناك تغيرا كبيرا في طريقة أداء الطلاب للواجبات منذ انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي؛ حيث أصبحوا يعتمدون بشكل واضح على محركات البحث المدعومة بهذه التقنيات لإنهاء البحوث بسرعة، وبصورة أكثر شمولا وعمقا.
كما تشير إلى أن بعض الطلاب يستخدمون نسخا مفتوحة من أدوات الذكاء الاصطناعي مثل “شات جي بي تي”، والتي لا تعتمد على مراجع أكاديمية، على عكس أدوات أخرى مخصصة للأغراض الأكاديمية، وهو ما يدفعها إلى توجيههم بعدم الاعتماد على هذه النسخ واللجوء بدلا من ذلك إلى محركات بحث أكاديمية مثل “Semantic Scholar” و”Elicit AI”، وغيرهما من الأدوات، مشيرة إلى أن هذه الأدوات تتيح للطلاب جمع المادة العلمية وتصنيفها وتقديم تفسيرات أولية، وتسهيل الترجمة الفورية، الأمر الذي يساعدهم على الوصول إلى محتوى أوسع، وقراءته بشكل أسرع وأسهل، ويمنحهم رؤية عامة شمولية للموضوع.
آلية التعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل البيئة التعليمية
توضح أستاذة الإعلام الرقمي أنها تعتمد سياسة واضحة في التعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل البيئة التعليمية، حيث تسمح للطلاب باستخدامه بنسبة تصل إلى 30% في إعداد الأبحاث، مع إلزامهم بتقديم النسخ الإلكترونية (soft copy)، وتقوم بعد ذلك بفحص هذه الأعمال باستخدام برامج كشف الانتحال وكشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي مثل برنامج “Originality AI”، للتأكد من التزام الطلاب بالنسبة المحددة.
وتضيف أنه في حال تجاوز هذه النسبة، تبدأ في اتخاذ إجراءات مثل خصم الدرجات، مؤكدة أن الأجزاء الأساسية مثل الرؤية والفكرة العامة يجب أن تعبر عن فهم الطالب وقراءاته، وليس بالاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي.
الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بالكامل يعتبر غشا وسرقة علمية
كما تقر بوجود نقل من الذكاء الاصطناعي بشكل غير مباشر من قبل طلاب كثيرين، حيث يلجأ بعض الطلاب إلى تقديم إجابات صحيحة دون فهم حقيقي لها، وأحيانا بلغة علمية مُعقدة وشديدة تفوق مستواهم فقط بهدف تسليم التكليف، موضحة أن هذا الأمر يظهر بشكل أكبر في الكليات التي تجمع بين الجانبين النظري والعملي مثل كليات الإعلام، حيث تكثر الأبحاث النظرية.
وترى أنه يمكن مواجهة ذلك من خلال إلزام الطلاب بتقديم عروض تقديمية لأبحاثهم وشرح كل جزء فيها مع طرح أسئلة عليهم أثناء العرض والنقاش لضمان استيعابهم الحقيقي للمحتوى، لكنها ترى أيضا أن استخدام الذكاء الاصطناعي يعتبر بمثابة أداة مساعدة في الأساس، ولا ترى مشكلة في استخدامه ولا تمنعه تماما، لكنها تسمح باستخدامه بشكل جزئي داخل إطار مُحدد بشرط الإفصاح عن ذلك، مشيرة إلى أن جامعة القاهرة أصدرت بالفعل دليلا ينظم استخدام هذه الأدوات في الأبحاث، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الاعتماد عليه بشكل كامل يمثل غشا وانتحالا وسرقة علمية.
تهديد للمهارات
وتعبر الدكتورة سارة عن قلقها من التأثيرات السلبية لأدوات الذكاء الاصطناعي على مهارات الطلاب، مؤكدة أنها أثرت بالسلب على مهارات التفكير النقدي والإبداعي وكذلك على مهارات الكتابة، بما في ذلك كتابة السيناريوهات والمحتوى الإعلامي والبرامج، وأصبح الطلاب يعتمدون على أدوات مثل شات “جي بي تي” و”جيمناي” لكتابة هذه الأعمال بدلا منهم، برغم أنها قد تحتوي على معلومات غير دقيقة، وهو ما تضطر إلى تصحيحه داخل المحاضرات، للتأكيد على ضرورة عدم الوثوق الكامل بهذه الأدوات، والانتباه إلى ما قد تتضمنه من تحيزات أو هلاوس وأخطاء.
كما تشير إلى أن الطلاب أصبح لديهم قصور في الانتباه، وأقل صبرا وقدرة على التركيز بسبب تأثير المحتوى السريع على وسائل التواصل الاجتماعي مثل “الريلز”، وهو ما أدى إلى قصر الانتباه وزيادة الشعور بالملل، الأمر الذي ينعكس بدوره على قدرتهم على التعمق في الدراسة.
كيفية مواجهة تحديات الاعتماد على الذكاء الاصطناعي داخل العملية التعليمية؟
وأوضحت أن ما سبق يدفعها إلى الاعتماد على مزيج من الأدوات التقنية وأساليب التدريس التفاعلية لمواجهة التحديات التي تنتج عن استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث تستخدم برامج مثل “Originality AI” و”Copyleaks” لرصد المحتوى، إلى جانب إلزام الطلاب بالعروض التقديمية، وطلب تحليلات مكتوبة تعبر عن رؤيتهم الشخصية وتصوراتهم المستقبلية، كما تحرص على جعل المحاضرات تفاعلية من خلال النقاشات المفتوحة وطرح الأسئلة، واستخدام المواد البصرية والفيديوهات، في محاولة للتغلب على ضعف الانتباه لدى الطلاب، برغم ملاحظتها المستمرة لرغبتهم في استخدام الهواتف المحمولة أثناء المحاضرة.
وتشدد على أهمية توجيه الطلاب وعدم تخويفهم من استخدام الذكاء الاصطناعي، وتدريبهم على التعامل معه بشكل واعٍ، وتقترح تنظيم ورش عمل مستمرة لتعريفهم بطبيعة هذه الأدوات وكيفية استخدامها في مراحل البحث المختلفة، مع توضيح كيفية تقليل أخطائها وتحيزاتها، وتعريفهم بمحركات البحث الأكاديمية التي تعتمد على مصادر موثوقة.
كما تؤكد ضرورة تعليمهم كيفية تقييم جودة الدراسات التي يحصلون عليها من خلال فهم الاستشهادات العلمية، وتأثير الأبحاث ومنهجياتها، مشددة على أنه لا توجد أداة واحدة يمكنها إنجاز كل مراحل البحث، ولكن كل مرحلة تتطلب أدوات مختلفة تساعد في توفير الوقت وتحسين جودة العمل.
وتختتم أستاذة الإعلام الرقمي رؤيتها بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشكل كبير على جودة العملية التعليمية والبحثية في المستقبل؛ من خلال الإسهام في تقليل الوقت اللازم لإنجاز الأبحاث ورفع جودتها، خاصة في المجالات العلمية والتطبيقية مثل الطب والهندسة، وكذلك في الأبحاث المتقدمة مثل أبحاث التحليل من النوع الثاني، لكنها تحذر في المقابل من تأثيره السلبي المحتمل على التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلاب والباحثين، خاصة في مجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، التي تتطلب فهم السياقات المعقدة والمتغيرات النفسية والتاريخية، والتي لا تعتمد فقط على البيانات والإحصاءات، مما قد يؤدي إلى تراجع القراءة الموسوعية والقدرة على استكشاف العلاقات والسياقات الأوسع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى